ابن تيمية
94
مجموعة الفتاوى
عَرْشِهِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَزَلْ مُسْتَوِياً عَلَى عَرْشِهِ . فَكَذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ يُنَاسِبُهُ . فَإِنْ قِيلَ " الِاسْتِوَاءُ مِنْهُ فِعْلٌ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ لَمْ يَزَلْ " قَالَ قِيل : وَالْخَلْقُ مِنْهُ فِعْلٌ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ لَمْ يَزَلْ . فَهَذَا الْكَلَامُ لَيْسَ إلَّا بِبَيَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَيَقُولُونَ بِقِدَمِ صِفَةِ التَّكْوِينِ وَالْخَلْقِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ خَالِقاً . فَأَلْزَمَهُمْ : " أَنَّا نَقُولُ فِي الْخَلْقِ مَا نَقُولُهُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي الِاسْتِوَاءِ " . وَهَذَا جَوَابٌ ضَعِيفٌ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ عِنْدَهُ أَنَّهُ اسْتَوَى بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا قَدْ بَحَثَهُ مَعَ السُّلْطَانِ بَلْ هُوَ الْآنَ كَمَا كَانَ . فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ . الثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِراً عَلَى أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ وَهَذَا يَقْتَضِي إمْكَانَ وُجُودِ الْمَقْدُورِ فِي الْأَزَلِ . فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْدُورُ مُمْتَنِعاً لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ قُدْرَةٌ فَكَيْفَ يَجْعَلُهُ لَمْ يَزَلْ قَادِراً مَعَ امْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْدُورُ لَمْ يَزَلْ مُمْكِناً ؟ بَلْ الْمَقْدُورُ عِنْدَهُ كَانَ مُمْتَنِعاً ثُمَّ صَارَ مُمْكِناً بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ اقْتَضَى ذَلِكَ .